السيد محمد حسين الطهراني

48

معرفة الإمام

وليست طينة الحجاز هذه الطينة ، ولا أذهان أهل الحجاز هذه الأذهان . والغالب على أهل الحجاز الجفاء ، والعجرفة ، وخشونة الطبع . ومن سكن المدن منهم كأهل مكّة ، والمدينة ، والطائف ، فطباعهم قريبة من طباع أهل البادية بالمجاورة . ولم يكن فيهم من قبلُ حكيم ولا فيلسوف ، ولا صاحب نظر وجدل ، ولا موقع شبهة ، ولا مبتدع نحلة . ولهذا نجد مقالة الغلاة طارئة وناشئة من حيث سكن عليّ عليه السلام بالعراق والكوفة ، لا في أيّام مقامه بالمدينة ، وهي أكثر عمره . ثمّ شرع ابن أبي الحديد بشرح ألفاظ الخطبة وكلماتها وعباراتها بمقدار غير قليل . وقال في شرح كلامه عن انقراض الحكومة الأمويّة : ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللهُ عَنْكُم كَتَفْرِيجِ الأدِيمِ : هذا الكلام إخبار عن ظهور المسوَّدة ، وانقراض ملك بني اميّة . ووقع الأمر بموجب إخباره صلوات الله عليه ، حتى لقد صدق قوله : لَقَدْ تَوَدُّ قُرَيْشٌ . . . الكلام إلى آخره ؛ فإنّ أرباب السير كلّهم نقلوا أنّ مروان بن محمّد ( مروان الحمار ، آخر حاكم أمويّ غاصب ) قال يوم الزاب ، « 1 » لمّا شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن عبّاس بإزائه في صفّ خراسان : لَوَدِدْتُ أنَّ عَلِيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ تَحْتَ هَذِهِ الرَّايَةِ بَدَلًا مِنْ هَذَا الفَتَى . والقصّة طويلة وهي مشهورة . وهذه الخطبة ذكرها جماعة من أصحاب السير ، وهي متداولة منقولة مستفيضة ، خطب بها عليّ عليه السلام بعد انقضاء أمر النهروان . وفيها ألفاظ لم يوردها الشريف الرضيّ رحمه الله . من ذلك قوله عليه السلام :

--> ( 1 ) - الزاب موضعٌ فرّ إليه مروان الحمار للتخلّص من هجوم الجيش العبّاسيّ . وذكر ابن الأثير الجَزَريّ في كتاب « الكامل في التاريخ » ج 5 ، ص 417 إلى 429 ، طبعة بيروت سنة 1385 ه - ، قصّة فراره إلى ذلك المكان وإلى مناطق أخرى ، ومن ثمّ قتله وانقراض ملك بني اميّة .